محمد عبد الكريم عتوم

250

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

الفكر القومي ، وموقف التيارات الإسلامية منها ، باعتبارها تجسد النظرة العنصرية التي تقوم على الكبر والاستعلاء على الآخرين . فالقومية الحقيقية الحضارية هي القومية الثقافية ، وهي تضم جميع المسلمين ، حيث دينهم واحد ، وأفكارهم واحدة ، وصفاتهم الأخلاقية واحدة ، ونظرتهم لشؤون الحياة نظرة مشتركة ، فالإسلام قومية جامعة ، والتمايز القومي هو واقع لا يمكن تجاهله ، لكن يجب أن يبقى تمايزاً للتعارف والتعاون والتعاضد وتنمية الإيجابيات ، وليس تعصباً جنسياً أو عرقياً أو عصبية وطنية جاهلية كالتي حاربها الإسلام . أما الوطنية : فهي في جوهرها ظاهرة نفسية اجتماعية مركبة ، قوامها حب الوطن أرضاً وأهلًا ، والسعي لخدمة مصالحها ، أو بعبارة أخرى ظاهرة نفسية فردية وجماعية تدور على التعلق بالجماعة الوطنية وأرضها ومصلحتها وتراثها . وهناك توافق بين المفكرين المسلمين المعاصرين حول مفهوم الوطنية ، حيث أن الوطنية تقوم في جوهرها على العقيدة وليس على الجغرافيا مع التأكيد على " أن الإسلام يوجب على المسلمين أن يحبوا أوطانهم وأن يدافعوا عنها ، وتتضمن معظم كتب الفقه والحديث أبواباً للدفاع عن الأوطان بعنوان " الجهاد " فالجهاد هو الدفاع عن الأوطان والمواطنين وأموالهم وأعراضهم " « 1 » . فالوطن " عند الإسلام هو كل بلاد المسلمين حيث تحكم دولة إسلامية واحدة بقانون إسلامي واحد شرعته لها السماء ، ولم يقم على أساس من تعاقد اجتماعي وأمثاله " « 2 » . وفي حالة وجود الإمام عند الشيعة الإمامية " لا يمكن تصور دول إسلامية متعددة ، أما في حال غيبته فيمكن تصور مناطق عديدة تحكمها رئاسات ، ولكنها كلها تطبق النظام الإسلامي بما فيه من تشريعات ، وهي جميعا تحكم بالنيابة عن الإمام عليه السلام ، وعليه فليست لدينا في التصور الإسلامي أوطان متعددة ، وإنما هناك وطن إسلامي واحد ، وهو ما يدعى في الفقه الإسلامي " دار الإسلام " « 3 » .

--> ( 1 ) - البنا ، حسن ، 1977 ، 49 . ( 2 ) - الحائري ، 1979 ، 44 . ( 3 ) - الحائري ، 44 .